بَرَاشَات بَلَاق - العَلَاء الأولى
اقرأ النص التوراتي وحاول أن تفهمه بنفسك، قبل قراءة التفسير.
صدمة الإمبراطوريات. موآب تتأمل ما حصل لسيحون وعوج، وترتجف. إسرائيل، التي حتى وقت قريب كانت تسير كبدوي في الصحراء، هزمت ملوك عبر الأردن، وبدأت تأخذ مكانها، في الجغرافيا وفي الوعي.
“فَيَّر بَلَاق بِن تْسِبُّور إيت كُل أشير عاسا يِسرائيل لَإمُري” (ورأى بلاق بن صفور كل ما فعله إسرائيل بالأموري، الآية 2). بلاق، ملك موآب، لا يستطيع أن يبقى غير مبالٍ. يشعر بالتهديد، ليس فقط جغرافياً بل وجودياً. “فَيَّجار موآب… فَيَّقاتْس موآب…” (موآب فزعت… موآب اشمأزت…) خوف وكراهية يتداخلان معاً.
يتوجه الموآبيون إلى شيوخ مديان. راشي على الآية يأتي بكلمات المدراش: “حين رأوا أن إسرائيل ينتصرون بطريقة ليست كعادة العالم، قالوا: قائدهم نشأ في مديان. نسألهم ما هي صفته. قالوا لهم: قوته فقط في فمه. قالوا: نحن أيضاً سنأتي عليهم برجل قوته في فمه” (تنحوما). هذه استراتيجية دقيقة. إذا كانت قوة إسرائيل في فم موشيه، فإنهم يحتاجون إلى رجل آخر قوته في فمه، ليحاربوهم على أرضهم. هذه المرة ليس بالسيف ولا بالجيش، بل بالسحر والشعوذة والتعزيم.
وهكذا تُرسَل البعثة إلى بلعام بن بعور، شخصية غامضة، فتحة لأمل روحي عند من استدعوه، لكنه أيضاً شخصية ملتبسة أخلاقياً.
بلعام مدعو لبيع موهبته الروحية: “لِخا نا أرا لي إت هَعام هَزّي… كي يَدَعتي إت أشير تِفاريخ مِفُراخ فَأشير تَأُر يُؤار” (تعال الآن العن لي هذا الشعب… فإني أعرف أن من تباركه هو مبارَك ومن تلعنه هو ملعون، الآية 6).
تختم العَلَاء بمشهد ليلي. بلعام، الساحر، يتردد. رؤساء موآب يبقون معه. يقول للرسل أن يبيتوا: “لينو فُ هَلَيلا” (بيتوا هنا الليلة، الآية 8). وفي الليل، “فَيَّفُو إلوهيم إل بِلعام” (وجاء الله إلى بلعام)، سؤال إلهي ثاقب: “مي هَأناشيم هَإلّي عِماخ” (من هؤلاء الناس الذين معك، الآية 9).
هذه افتتاحية دراماتيكية لبَرَاشَات بَلَاق. بالضبط بعد أن تغلبنا على عوج وسيحون، يظهر بلعام. الخوف يتحول إلى فعل، لكن من خلال كلمات ولعنة وما هو خفي.
وفي هذا المكان لا تُختبر قوتنا فحسب، بل هويتنا.
المزيد من الأسئلة عن البارشا
لماذا تتجلى جمالية إسرائيل تحديداً من خلال عيني عدو؟
إحدى أجمل الجمل التي قيلت يوماً عن شعب إسرائيل لم يقلها موسى ولا هارون، بل قالها بَلعام، الرجل الذي استُؤجر ليلعن. تكشف بارشات بالاق حقيقة مزلزلة: هناك جمال يراه الصديق لأنه يريد أن يراه، وهناك جمال يُجبَر العدو على رؤيته حتى وهو يحاول إنكاره. والثاني أقوى.
الفعل 'ڤَيار' (ورأى) يتكرر مرات كثيرة في بارشات بالاق - ما هي المعاني الخفية وراء ذلك؟
في بارشات بالاق ليس جذر 'الرؤية' فعلاً تقنياً للرؤية. إنه يتحول إلى اختبار: من يرى حقاً، وما الذي يستطيع أن يراه. بالاق يرى خوفاً، والأتان ترى ملاكاً، وبَلعام في البداية لا يرى شيئاً، وفِنحاس يرى ويقوم على الفور. أربع رؤى مختلفة، أربعة أنواع من النفوس.
ما الذي رآه بَلعام حقاً في معسكر إسرائيل ودفعه لأن يقول بركة بدلاً من لعنة؟
لا تقول التوراة إن بَلعام رأى فقط خياماً جميلة من الخارج. تقول إنه رأى نظاماً داخلياً. كان يبحث عن نقطة انقسام، فوجد معسكراً فيه حدود وعائلات وأسباط وهوية. جاء بَلعام ليلعن جمهوراً من الخارج، فاكتشف من الداخل شعباً له شكل.
هل تعلّم بارشات بالاق أن الإنسان قد يكون محاطاً بأعداء، ولا يدري إطلاقاً كم من الحماية فوقه من العلاء؟
يصعد بَلعام إلى الجبل ليلعن، وموآب يخاف، ويُرسَل الرسل، وطوال هذا الوقت شعب إسرائيل في الأسفل لا يعرف حتى ما يجري. تفتح بارشات بالاق نافذة على ما خلف الكواليس: هناك حماية لا يراها الإنسان، ولا يسمعها، ولا يعرف أن يشكر عليها في حينها.