بَرَاشَات بَلَاق - العَلَاء الرابعة
اقرأ النص التوراتي وحاول أن تفهمه بنفسك، قبل قراءة التفسير.
خلفية متوترة، ترقب مشدود: تحل اللحظة التي كان بلاق ينتظرها. بلعام، النبي والساحر ذو الصلات العليا، على وشك أن يلعن إسرائيل. الاستعدادات مهيبة: سبعة مذابح، سبعة ثيران، سبعة كباش. قربان تلو الآخر، طقس فخم يستهدف محاولة “إمالة” إرادة السماء.
يرافق بلاق بلعام إلى “بَمُوت بَعَل”، قمة استراتيجية يُرى منها “طرف الشعب”. يخرج بلعام ليتكلم مع الله، والحضور الإلهي يظهر له: “فَيَّسِم أدوناي دافار بِفي فِلعام” (ووضع أدوناي كلاماً في فم بلعام، الآية 23:5). ليس بلعام هو الذي يتكلم، بل القدوس يتكلم من خلال فمه.
ثم يأتي المشل، أنشودة نبوية سامية ورفيعة: “هِن عام لِفادَد يِشكُّن أوفَغُّيِم لُ يِتْحَشّاف” (ها هو شعب يسكن منفرداً، وبين الأمم لا يُحسب، الآية 23:9). لم يعد إسرائيل مجرد مجموعة من البدو. هو شعب مستقل، منفصل، لا يُقاس بمقاييس الأمم.
بلعام، الذي جاء ليلعن، يسكب ترنيمة بركة: “تامُت نَفشي مُت يِشاريم أوتِهي أحَريتي كامُهو” (لتَمُت نفسي موت المستقيمين، ولتكن آخرتي مثله، الآية 23:10). كم هو مذهل: نبي موآب يريد أن يموت كيهودي. لا أن يعيش كيهودي، لكن أن يختم هكذا. هذا انعكاس عميق لتصور حياة يريد المكافأة دون الوجود، النهاية دون الالتزام.
بلاق، بطبيعة الحال، ينفجر: “مي عَسيتا لي لَقُف أُيفاي لِقَحْتيخا فِهِنّي بيرَخْتا فاريخ” (ماذا فعلت بي؟ أخذتك لتلعن أعدائي، وها أنت باركت باركاً، الآية 23:11). لكن بلعام يجيب ببساطة: “إت أشير ياسيم أدوناي بِفي أُتُ إشمُر لِدَبّير” (ما يضعه أدوناي في فمي، ذلك أحرص على قوله، الآية 23:12). الحقيقة، كما يتضح، تشق طريقها حتى من خلال شفاه أُعدَّت للخبث.
الفكرة المركزية هنا تتردد في كل جيل. البركة الحقيقية ليست خاضعة للسياسة أو المؤامرات أو القوة الخارجية. هناك بركة متجذرة في الهوية، في إرادة الله، وفي الحقيقة البسيطة أن هذا الشعب يسكن منفرداً.
وهذه رسالة عظيمة لأيامنا. من نحن، حقاً؟ هل نعيش من كبريائنا بهويتنا، أم نحاول أن “نُحسب بين الأمم”؟ بلعام، رجل من أمم العالم، يتأثر، ونحن أحياناً نحاول الاندماج. لعل الوقت قد حان للعودة والتذكر: البركة في داخلنا.
المزيد من الأسئلة عن البارشا
لماذا تتجلى جمالية إسرائيل تحديداً من خلال عيني عدو؟
إحدى أجمل الجمل التي قيلت يوماً عن شعب إسرائيل لم يقلها موسى ولا هارون، بل قالها بَلعام، الرجل الذي استُؤجر ليلعن. تكشف بارشات بالاق حقيقة مزلزلة: هناك جمال يراه الصديق لأنه يريد أن يراه، وهناك جمال يُجبَر العدو على رؤيته حتى وهو يحاول إنكاره. والثاني أقوى.
الفعل 'ڤَيار' (ورأى) يتكرر مرات كثيرة في بارشات بالاق - ما هي المعاني الخفية وراء ذلك؟
في بارشات بالاق ليس جذر 'الرؤية' فعلاً تقنياً للرؤية. إنه يتحول إلى اختبار: من يرى حقاً، وما الذي يستطيع أن يراه. بالاق يرى خوفاً، والأتان ترى ملاكاً، وبَلعام في البداية لا يرى شيئاً، وفِنحاس يرى ويقوم على الفور. أربع رؤى مختلفة، أربعة أنواع من النفوس.
ما الذي رآه بَلعام حقاً في معسكر إسرائيل ودفعه لأن يقول بركة بدلاً من لعنة؟
لا تقول التوراة إن بَلعام رأى فقط خياماً جميلة من الخارج. تقول إنه رأى نظاماً داخلياً. كان يبحث عن نقطة انقسام، فوجد معسكراً فيه حدود وعائلات وأسباط وهوية. جاء بَلعام ليلعن جمهوراً من الخارج، فاكتشف من الداخل شعباً له شكل.
هل تعلّم بارشات بالاق أن الإنسان قد يكون محاطاً بأعداء، ولا يدري إطلاقاً كم من الحماية فوقه من العلاء؟
يصعد بَلعام إلى الجبل ليلعن، وموآب يخاف، ويُرسَل الرسل، وطوال هذا الوقت شعب إسرائيل في الأسفل لا يعرف حتى ما يجري. تفتح بارشات بالاق نافذة على ما خلف الكواليس: هناك حماية لا يراها الإنسان، ولا يسمعها، ولا يعرف أن يشكر عليها في حينها.